وقوله تعالى: {فَاطِرَ السماوات والأرض} خبر آخر لذلكم أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو فاطر أو صفة لربي أو بدل منه أو مبتدأ خبره {جَعَلَ لَكُمُ} وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالجر على أنه بدل من ضمير {إِلَيْهِ} أو {عَلَيْهِ} أو وصف للاسم الجليل في قوله تعالى: {إِلَى الله} [الشورى: 10] وما بينهما جملة معترضة بين الصفة والموصوف وقد تقدم معنى {فَاطِرَ} وجعل أي خلق {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم {أزواجا} نساء.
وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة {وَمِنَ الأنعام أزواجا} أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً كما خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ففيه جملة مقدرة لدلالة القرينة أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً {يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم يقال ذرأ الله تعالى الخلق بثهم وكثرهم والذرء والذر إخوان {فِيهِ} أي فيما ذكر من التدبير وهو أن جعل سبحانه للناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد وجعل التكثر في هذا الجعل لوقوعه في خلاله وأثنائه فهو كالمنبع له ، ويجوز أن تكون في للسببية وغلب في {يَذْرَؤُكُمْ} المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل فهناك تغليب واحد استمل على جهتي تغليب وذلك لأن الأنعام غائب غير عاقل فإذا ادخلت في خطاب العقلاء كان فيه تغليب العقل والخطاب معا ، وهذا التغليب أعني التغليب لأجل الخطاب والعقل من الأحكام ذات العلتين وهما هنا الخطاب والعقل وهذا هو الذي عناه جار الله وهو مما لا بأس فيه لأن العلة ليست حقيقية ، وزعم ابن المنير أن الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين أحدهما.
مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطباً أو غائباً.
والثاني مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب فالأول لتغليب العقل والثاني لتغليب الخطاب ليس بشيء ولا يحتاج إليه ، وكلام صاحب المفتاح يحتمل اعتبار تغليبين.
أحدهما تغليب المخاطبين على الغيب.