يُرْوى أن أبا علقمة النحوي كان مُغرماً بالفصحى، ولا ينطق إلا بها، فكان يأتي بألفاظ غريبة حتى شَقَّ ذلك على خادمه الذي كان لا يفهم كثيراً من هذه الألفاظ، وفي إحدى الليالي استيقظ من نومه وسأل الخادم: يا غلام أصقعتْ العتاريف؟ لم يفهم الغلام إلا أنه ردَّ في ضيق وقال له: زِقْ فَيْلم فتعجَّب أبو علقمة وقال له: وما زِقْ فَيْلم؟ قال الغلام: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردتُ أصاحتْ الديَكة؟ قال: وأنا أردتُ لم تَصِحْ؟
ومن نوادر اللغة أن أحدهم ذهب إلى الطبيب، فقال له الطبيب وكان اسمه أعين: ما بك؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسأت منها طسأة أصابني منها وجع من الوابلة إلى دأْية العنق ولم يزل يَنْمي حتى خالط الحلْب وأَلِمَتْ منه الشراسيف، فقال الطبيب: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً، فأعاد كالأولى، فردَّ الطبيب وقال له: خُذْ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً وزهزقه وزقزقه بماء روث ثم اشربه، فقال الرجل: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً.
فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهماماً لصاحبه.
إذن: نقول إن اللغة بنت المحاكاة، فهي تعتمد أولاً على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الصغير يتعلم الكلام من أسرته وممن حوله، أما الأخرس فإنه لا يتكلم لأنه لم يسمع؛ لذلك قال تعالى:
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] فالبَكَم لا يأتي إلا بعد الصَّمم، ولو سلسلنا مسألة تعلُّم الكلام هذه سنصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، فكُلٌّ منا تعلم الكلام من أبيه وأمه ممن حوله، أما آدم عليه السلام فعلَّمه ربه، كما قال سبحانه:
{وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] يعني أسماء الأشياء، فالله سبحانه هو المعلم الأول.
وفي الحروف المقطعة هذه ملحظ هام، فهي تعلِّمنا الإيمان بالغيب، كيف؟ الحق سبحانه وتعالى له في خَلْقه غيب ومشهد، وقد جعل سبحانه للغيب مشهداً يدل عليه، ففي مجال العقائد مثلاً أنا معتقد أن لهذا الكون إلهاً خالقاً، وهذه العقيدة يمكن أنْ أدلِّل عليها بالآيات الكونية الموجودة المشاهدة.