فلما فرع من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد ، فوجّه الشياطين فرقاً ، فرقاً يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر ، وفرقاً يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها ، وفرقاً يأتونه بالمسك والعنبر ، فأُتي من ذلك بشيء لا يُحصيه إلاّ الله تعالى ، ثم أحضر الصنّاعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً ، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ فكانوا يعالجونها ، فتصوّت صوتاً شديداً لصلابتها ، فكره سليمان تلك الأصوات .
فدعا الجن وقال لهم:"هل عندكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟".
فقالوا: يا رسول الله ، ليس في الجن أكثر تجارب ، ولا أكثر علماً من صخر العفريت ، فأرسل إليه من يأتيك به . فطبع سليمان خاتمه طابعاً وكان يطبع للشياطين بالنحاس ، ولسائر الجن بالحديد وكان إذا طبع أحدهما بخاتمه لمع ذلك كالبرق الخاطف ، فكان لا يراه أحد: جني ولا شيطان إلاّ انقاد له بإذن الله عزّت قدرته.
فأرسل الطابع مع عشرة من الجن فأتوه وهو في بعض جزائر البحور ، فأروه الطابع ، فلما نظر إليه كاد يصعق خوفاً ، فأقبل مسرعاً مع الرسل حتى دخل على سليمان (عليه السلام) . فسأل سليمان رسله عما أحدث العفريت في طريقه . فقالوا: يا رسول الله إنه كان يضحك بعض الأحايين من الناس . فقال له سليمان (عليه السلام) :"ما رضيت بتمردك عليّ في ترك المجيء إليّ طائعاً حتى صرت تسخر بالناس؟".
فقال: يا نبي الله إني لم أسخر منهم غير أن ضحكي كان تعجّباً مما كنت أسمع وأرى في طريقي . فقال سليمان:"وما ذاك؟".
قال: اعلم أني مررت برجل على شط نهر ومعه بغلة يريد سقيها ومعه جرة يريد أن يستقي فيها ، فسقى البغلة وملأ الجرة ، ثم أراد أن يقضي حاجته فشد البغلة بإذن الجرة فنفرت البغلة وجرت الجرة فكسرتها ، فضحكت من حمق الرجل حيث توهم أن الجرة تحبس البغلة.