(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ) إلى غير ذلك من مراداته المضلة، وكأن لما لم يجد لآدم عزمًا علم أن بنيه أضعف منه فأقره الرب -
جل ذكره - على ذلك من زعامته ولو أنكر عليه ما استطاع ولا قدر، ولولا أن الله -
جل ثناؤه - عزله عن المخلصين من عباده لنفذ أمره بذلك الإقرار له، بل قال له:
ولله الحمد من قبل ومن بعد (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ(42) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)
هذا الخطاب منتظم بما قبله من قوله:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...)قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية ثم قال:
"إن الله إذا قضى الأمر في السماء وسمعت الملائكة له كوقع سلسلة على صفوان،"
فتضع الملائكة أجنحتها خضعانًا للأمر، فإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
قَالُوا الْحَقَّ"وإنما ذكر الله - جل ذكره - الشفاعة، ومن الذين ينفع الشفاعة منهم"
عند الله.
والظاهر أن أول مفتتح العلم والمعرفة: السجود والصلاة بما فيها من خضوع
وخشوع، وأول مفتتح الوجود: الشفاعة لما أوجد حملة العرش - عليهم السَّلام - يسرهم ليشفعوا لما يريد إيجاده عنده.
قال الله - عز من قائل:(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ...)فهذه صلاة (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) ثم ذكر شفاعتهم بقوله:
(رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)
إلى قوله: (العَظِيم) فهذه شفاعتهم أذن لهم في ذلك، وعن هذه الشفاعة
ينفصل أنواع الشفاعة؛ إذ الإيمان بالله - جل ذكره - وبما يجب الإيمان به هو
المقصود من الجملة، وله أوجد الموجودات جمعاء.