ومعنى الآية: أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى: {الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أعمالهم} [محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله: {وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الكفور} .
ثم قال عز وجل: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا} قال في رواية الكلبي: إنهم قالوا للرسل: إنا قد عرفنا نعمة الله علينا، فوالله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا، والذي كنا عليه، لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط.
فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه.
وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض، فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا} {قُرًى ظاهرة} ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق.
وقال غيره: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا} هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني: متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير} للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية {سِيرُواْ فِيهَا} يعني: ليسيروا فيها.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الشرط والجزاء.
فلم يشكروا ربهم، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض.
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ} يعني: أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار، آمنين من الجوع، والعطش، واللصوص، والسباع.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو {بَعْدَ} بغير ألف وتشديد العين.