الإسراء 57. فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويتوسَّلون إليه، الأقرب منهم يتوسَّل إلى الله، ويحب أن يكون أكثر قُرْباً، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟ إذن أنتم أغبياء بعبادتكم الملائكة، وهل تظنون أن خَلْقاً من خَلْق الله كالملائكة يرضى أنْ تعبدوه من دون الله، أو يقبل أنْ يشفع لك عند الله، هذا سَفَه في التفكير. فالحق سبحانه وضع شروطاً للشفاعة، فقال
{يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}
طه 109. ويقول الحق سبحانه {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ...} .
{وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}
قال العلماء يُشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، وشرط في الشافع أن يُؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..}
البقرة 255 فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أنْ يُؤذَن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقاً، يا ترى أيُؤذن للشافع؟ أم تُرَد شفاعته؟ لذلك يقول تعالى {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ..} سبأ 23 يعني أُزيل عنها الفزع. فالتضعيف في فُزِّع أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل، كما نقول مرَّضه يعني أزال مرضه وقشَّر البرتقالة يعني أزال قِشرتها ... إلخ. {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ ..} سبأ 23 أي قال القول الحق، وأذِن بالشفاعة لمن ارتضى. وقال تعالى {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ ..} سبأ 23 ولم يقُلْ تُقبل الشفاعة لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعةُ المشفوعَ له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده أنا لا أرضى أنْ تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نَفْع الشفاعة لا قبولها، ففَرْق بين أنْ توجد الشفاعة، وبين أنْ تنفع الشفاعة. وفي سورة البقرة آيتان في الشفاعة صدرهما واحد، لكن العَجُز مختلف، ففي الأولى