وَقَوْلُهُ {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وَكَانَ ظُلْمُهُمْ إِيَّاهَا عِمْلَهُمْ بِمَا يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِ، مِمَّا يُوجِبُ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}
يَقُولُ: صَيَّرِنَاهُمْ أَحَادِيثَ لِلنَّاسِ يَضْرِبُونَ بِهِمُ الْمَثَلَ فِي السَّبِّ، فَيُقَالُ: تَفَرَّقَ الْقَوْمُ أَيَادِيَ سَبًّا، وَأَيْدِي سَبًّا، إِذَا تَفَرَّقُوا وَتُقَطَّعُوا.
وَقَوْلِهِ {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}
يَقُولُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ كُلِّ مَقْطَعٍ.
قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: «أَمَّا غَسَّانُ فَقَدْ لَحِقُوا بِالشَّامِ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَلَحِقُوا بِتِهَامَةَ، وَأَمَّا الْأَزْدُ فَلَحِقُوا بِعُمَانَ»
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي تَمْزِيقِنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ {لَآيَاتٍ}
يَقُولُ: لَعِظَةً وَعِبْرَةً وَدِلَالَةً عَلَى وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَحَقِّهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى مِحْنَتِهِ إِذَا امْتَحَنَهُ بِبَلَاءٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ عَلَى نِعَمِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ: كَانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: «نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) }
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: {وَلَقَدْ صَدَّقَ} بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ صَدَّقَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ ظَنًّا مِنْهُ: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} ، وَقَالَ: {فَبِعِزَّتِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] ، ثُمَّ صَدَّقَ ظَنَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَقَّقَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ (وَلَقَدْ صَدَقَ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، بِمَعْنَى: وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ.