سبأ 13 والحمد لله أنه سبحانه لم يقُلْ وقليل من عبادي الشاكر، وتعلمون أن الشكور صيغة مبالغة من الشكر، أو الشكور هو الذي يشكر على النعمة، ثم يشكر الله على أن ألهمه أنْ يشكر على النعمة، فكأنه قدَّم الشكر مرتين. ثم لم يَقْصُر النعمة على أهل سبأ في الدنيا وحَسْب، إنما تعدَّت نعمته عليهم إلى الآخرة، ففى الدنيا {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ .. } سبأ 15 وفي الآخرة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} سبأ 15 يعني يتجاوز عنكم إنْ حدثت منكم زَلَّة أو هفوة. ثم يُبيِّن الحق سبحانه النتيجة وردَّ فِعْلهم فيقول {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... } .
{فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} * {ذلك جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ}
قوله تعالى {فَأَعْرَضُواْ .. } سبأ 16 أي عن المأمور به، وهو
{كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ .. }
سبأ 15 فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم - على حدِّ زعمهم - وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها. وفَرْق بين ترف وأترف، نقول ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي غرَّته النعمة لذلك قال تعالى
{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا .. }
الإسراء 16. فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول بمجهودي وشطارتي كالذي قال
{إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي .. }
القصص 78 ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة. وفي موضع آخر لخَّص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله سبحانه
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}
النحل 112. وقال في قوم سيدنا نوح عليه السلام
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً}