قلت: كم بينهما من الفرق؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى، من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية، حيث جعلت الجبال منزلة منزلة العقلاء، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته.
وقوله - تعالى -: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - عليه.
أي: وصيرنا الحديد لينا في يده، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجين في يده، يشكله كيف يشاء، من غير أن يدخله في نار، أو أن يطرقه بمطرقة.
فالجملة الكريمة معطوفة على قوله آتَيْنا، وهي من جملة الفضل الذي منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام - .
وأَنِ في قوله: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ مصدرية على حذف حرف الجر. وسابغات صفة لموصوف محذوف.
أي: ألنا له الحديد، لكي يعمل منه دروعا سابغات. والدرع السابغ، هي الدرع الواسعة التامة. يقال: سبغ الشيء سبوغا، إذا كان واسعا تاما كاملا. ومنه قولهم: نعمة سابغة، إذا كانت تامة كاملة.
قال - تعالى -: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.
وقوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء. والسرد: نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها.
أي: آتينا داود كل هذا الفضل الذي من جملته إلانة الحديد في يده، وقلنا له يا داود:
اصنع دروعا سابغات تامات، وأحكم نسج هذه الدروع، بحيث تكون في أكمل صورة، وأقوى هيئة.
روى أن الدروع قبل عهد داود كانت تعمل بطريقة تثقل الجسم، ولا تؤدى وظيفتها في الدفاع عن صاحبها، فألهم الله - تعالى - داود - عليه السلام - أن يعملها بطريقة لا تثقل الجسم ولا تتعبه، وفي الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما بحيث لا تنفذ منها الرماح، ولا تقطعها السيوف، وكان الأمر كله من باب الإلهام والتعليم من الله - تعالى - لعبده داود - عليه السلام - .