{وَأَلَنَّا لَهُ الحديد} قال ابن عباس: صار عنده كالشمع.
وقال الحسن: كالعجين ، فكان يعمله من غير نار.
وقال السدّي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع ، يصرفه كيف شاء ، من غير إدخال نار ولا ضرب بمِطْرَقة.
وقاله مقاتل: وكان يفرغ من الدّرع في بعض اليوم أو بعض الليل ، ثمنها ألف درهم.
وقيل: أعطي قوةً يَثْنِي بها الحديد ، وسبب ذلك أن داود عليه السلام ، لما ملك بني إسرائيل لقِي مَلَكاً وداود يظنه إنساناً ، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء ، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثّل له: ما قولك في هذا الملِك داود؟ فقال له الملَك"نِعم العبد لولا خَلّة فيه"قال داود:"وما هي؟"قال:"يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله".
فرجع فدعا الله في أن يعلّمه صنعة ويسهلها عليه ، فعلّمه صنعة لَبُوسٍ كما قال جل وعز في سورة الأنبياء ، فألان له الحديد فصنع الدروع ، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم ، حتى ادّخر منها كثيراً وتوسَّعت معيشة منزله ، ويتصدّق على الفقراء والمساكين ، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين ، وهو أوّل من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح.
ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف.
والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب.
ودرع المرأة مذكر.
مسألة: في هذه الآية دليل على تعلّم أهل الفضل الصنائع ، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم ، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم ؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"وقد مضى هذا في"الأنبياء"مُجَوّداً والحمد لله.