ثم نبههم تعالى على قدرته في خلق السموات والأرض، فهو القادر على البعث، فقال:
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ أي وبخهم لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، فقال لهم: أفلم ينظروا خلفهم وأمامهم إلى العجائب الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته، فإنهم يرون السماء ناطقة بوجود القادر، والأرض كذلك تنطق بمثل ما تشير به السماء من الدلالة، فلو نظروا إليهما لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب لهم، فإن نرد نخسف بهم الأرض، كما خسفنا بقارون، أو نسقط عليهم قطعا من السماء، كما أسقطنا على أصحاب الأيكة.
والمراد: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر العقاب عنهم لحلمنا وعفونا.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرض في انخفاضها وطولها وعرضها، قادر على إعادة الأجسام كما كانت، كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر 40/ 57] ، وقال سبحانه: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلى [يس 36/ 81] .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
1 -لم يكتف المشركون بإعلان إنكارهم البعث والقيامة، وإنما تغالوا في ذلك فأخذوا يقولون قولا يقصد به الطعن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم والتعجب منه والهزء والسخرية من إخباره بالبعث، وجعلوا ذلك أداة ضحك وتلهي، واستغربوا أن الناس إذا فرقوا كل تفريق في أجزاء التراب، كيف يمكن إعادة الحياة لهم؟! 2 - وقال المشركون: إن محمدا في إخباره بالبعث لا يخلو إما أن يكون كاذبا مفتريا على الله، وإما أنه مجنون.