{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}
المدثر 5 أي الذنب الكبير، أو العقوبة المترتبة عليه، والمعنى لا تفعل الذنب، ولا ما يؤدي للعقوبة، وإذا هجرتَ الذنب لا تأتي العقوبة. وقد وُصف العذاب هنا بأنه {عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} سبأ 5 والعذاب يُوصَف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، وهي أوصاف تدل على مَعَانٍ مختلفة لحال واحدة، فهو أليم أي يؤلم صاحبه، فإنْ كان جَلْداً يدعى التحمُّل فله عذاب مهين يُهينه، ويحطُّ من كرامته، وهو الذي يتعالى أو يظنُّ نفسه عظيماً. والعذاب المهين ليس بالضرورة أن يكون مؤلماً، فمن الناس مَنْ يؤلمه التوبيخ والتقريع، فإن أردتَ ضخامة العذاب من حيث القدر، فهو عذاب عظيم. إذن إن أردتَ الإيلام فهو عذاب أليم، وإنْ كان قليلاً في قدره، وإنْ أردتَ التحقير والإهانة فهو عذاب مهين، وإنْ أردتَ ضخامة العذاب فهو عذاب عظيم. ثم يقول الحق سبحانه {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ...} .
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه - عز وجل - يقول له يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سَعَوْا في آياتنا معاجزين ولا تهتم، فإن الذي جعل من الكفرة مَنْ يسعون بالفساد ويُعاجزون خالقهم جعل أيضاً لك مَنْ ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون أنها الحق، وأن مَا يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل. فكما أثبتَ لهم سَعْياً في الباطل ومعاجزة أثبتَ للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يُطفئوا نور الله، كما قال سبحانه
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}