وعندها قال الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله ذكَر القرآن أن الذرة هي أصغر ما في الكون، وها نحن فتتنا الذرة إلى أجزاء. ولو أَلَمَّ هؤلاء بكل القرآن، وقرأوا هذه الآية {عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سبأ 3 لعرفوا أن القرآن احتاط لما سيأتي به العلم من تفتيت الذرة، وأن في كلام الله رصيداً لكل تقدم علميٍّ. وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيداً لما سنصل إليه. وقال {لاَ يَعْزُبُ ..} سبأ 3 لا يغيب {عَنْهُ مِثْقَالُ ..} سبأ 3 مقدار {ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ..} سبأ 3 لشمول كل ما في الكون {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ ..} سبأ 3 أي أصغر من الذرة {وَلاَ أَكْبَرُ ..} سبأ 3 من الذرة. ولقائل أنْ يقول إذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بمعرفة الذرة، وما دَقَّ من الأشياء، فما الميْزة في أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟ قالوا هذه دقيقة من دقائق الأسلوب القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه مُتناهٍ في الصِّغَر، بحيث لا تدركه بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أنْ تحيط به لِكبره، إذن فالحق سبحانه مُسلَّط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا يغيب عنه صغير لصِغَره، ولا كبير لِكِبَره. والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في كَوْنه فحسب، بل ويُسجِّله في كتاب مُعْجِز خالد، وفَرْق بين الأخبار بالعلم قوْلاً وبين تسجيله، فإذا لم يكُنْ العلم مُسجَّلاً فَلَك أن تقول ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك. لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام الحق سبحانه يحفظها فهذا يعني أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجَّلها الحق سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في مُلْكه إلا ما علم، إذن كتب لأنه علم، وليس عَلِم لأنه كُتِب. ومَن الذي أمر بكتابته؟ علمه سبحانه إذن فالعلم أسبق. لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو أنكروها ذكَّرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ