ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..} سبأ 3 يعني قُلْ بِملء فيك بلى وبلى نفي للنفي السابق في قولهم {لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ ..} سبأ 3 وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابلَ له، فمعنى بلى أي أنها ستأتي. ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقَسَم {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..} سبأ 3 فالحق سبحانه يُعلِّم رسوله أنْ يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يُلقِّن رسوله يميناً كاذباً، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟ وقوله تعالى بعدها {عَالِمِ الْغَيْبِ ..} سبأ 3 فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بُدَّ آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنُوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخَفيِّها، فعالِم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنتَ بارعاً في إخفائه عن الناس. {عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سبأ 3 لا يعزب لا يغيب عن علمه. والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لِصِغَر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لِصِغَر حجمها، إذن كَوْنُك لا ترى الشيء لا يعني أنه غير موجود، بل موجود، لكنْ ليستْ لديك آلة البصر الدقيقة التي تستطيع رؤيته بها، والعين المجردة لا ترى كلَّ الأشياء، لكن حزمة الضوء القوية تساعدك على رؤية الأشياء الدقيقة لذلك قالوا إن الضوء والذر أحكم مقاييس الكون. لذلك يستخدم المهندسون هذه الظاهرة مثلاً في استلام المباني، والتأكد من دقة تنفيذها، فالحائط الذي يبدو لك مستوياً مستقيماً لو تركتَه عدة أيام لكشفَ لك الغبار عَمَّا فيه من نتوءات وعدم استواء لأن الغبار والذرات تتساقط عمودياً، كذلك الضوء حين تُسلِّطه على حائط يكشف لك ما فيه من عيوب، مهما كانتْ دقيقة لا تراها بالعين المجردة. ولأن الذرة كانت أصغر ما يعرفه الإنسان، قال تعالى
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..}