تقدّم إخوة إلى سوار في ميراث لهم، فقال سوار: خيّروا الأكبر منكم فإنه خلف أبيكم والمنظور إليه دونكم، قالوا: قد فعلنا فأبى الأكبر أن يقبل ذلك، فقال سوار: ما يمنعك، فقال: إني بحظي أوثق مني بعقلي، فأقرع بينهم فخرج سهمه خيرا من سهامهم، فقال: كيف رأيت فقال سوار: استأذن العقل على الحظ فحجبه. وقد تقدم في باب العقل أمثلة لذلك.
كون العاقل محدودا والجاهل مجدودا
من زيد في عقله نقص من حظه.
وقيل: ما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه.
قال شاعر:
وخصلة قلّ فيها من يخالفني ... الرزق والحمق ملزومان في قرن
وقال آخر:
خاب أمرؤ ظلّ يرجو أن ينال غنى ... بالعقل ما عاش في دهر المجانين
وقال المتنبّي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأبعد من أن أجمع الحظّ والفهما
معارضة دنيء ساعده القدر:
ألا ليت المقادر لم تقدر ... ولم تكن إلا حظّى والجدود
فننظر أينا يضحي ويمسي ... له هذي المراكب والعبيد
وقيل لرجل: كيف فلان؟ فقال أحمق مرزوق.
وقيل لآخر: فقال عيي غنيّ حظيّ.
الجد يحسن القبيح ويقرب البعيد
قيل: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
وقال شاعر:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
وقيل: السبب الذي يتقدم به المجدود هو السبب الذي يتأخر به المحدود، قال أبو الشيص:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الموسوي:
لا تحدثن طمعا وجدّك مدبر ... واطلب مدى الدنيا وجدّك مقبل
تعسّر الأمر على من خذله جدّه
قيل: إذا لم يساعد الجدّ فالحركة خذلان.
وقيل: إذا ولّت الدول صارت الحيل وبالا.
قال شاعر:
إذا كان جدّ المرء في الشيء مقبلا ... تأتّت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه يوما توعّرت ... عليه فأعيته وجوه المطالب
قال ثمامة: لما أخبر يحيى بن خالد بتغير الرشيد له، كان يحتال في تخليص روحه فأمرني يوما بالحضور معه فاجتمعنا على الرأي، فكلما أتى الرأي نقض عليه آخر حتى أعيانا الأمر، فقام وقال: أفّ لهذه الدنيا كان الرأي يجيئنا على البديهة والأمر مقبل، فصار لا يأتينا على الرويّة والأمر مدبر، ليصنع الدهر ما شاء.
وقيل: إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبده نعمة فأول ما يزيل عنه عقله.
قال البديهي:
إذا المقادير لم تقبل مساعدة ... على بلوغ المنى لم تنفع الهمم