وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم .. فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا, ولم يغيروا ولا بدلوا، فيشهد به انتظارهم أصدق الشهادة، روي أن طلحة - رضي الله عنه - ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد يحميه، حتى أصيبت يده فشلت، وجرح أربعًا وعشرين جراحةً، فقال عليه السلام:"أوجب طلحة الجنة"وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ طلحة الخير، ويوم حنين طلحة الجود، ويوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض، وقتل يوم الجمل، وفي الآية تعريض بأرباب النفاق، وأصحاب مرض القلب، فإنهم ينقضون العهود، ويبدلون العقود.
24 -و (اللام) : في قوله: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} يجوز أن يتعلق بـ {صَدَقُوا} أو بـ {زَادَهُمْ} أو بـ {ما بدَّلوا} أو بمحذوف، تقديره: وقع جميع ما وقع؛ ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الصدق والوفاء قولًا وفعلًا، قال في"كشف الأسرار": في الدنيا بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب، وجزيل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقديم على الأمثال بالتكريم والتعظيم.
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ} بما صدر منهم من الأقوال والأعمال المحكية في التغيير والتبديل {إِنْ شَاءَ} تعذيبهم؛ أي: إن لم يتوبوا فإن الشرك لا يغفر ألبتَّة.
جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها، بسبب تبديلهم وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها، والسعي لتحصيلها، ومفعول {إِنْ شَاءَ} وجوابها: محذوفان؛ أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق، ولم يتركوه ويتوبوا عنه، كما مرّ.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: يقبل توبتهم إن تابوا {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {كَانَ غَفُورًا} ؛ أي: ستورًا على من تاب محاءً لما صدر منه {رَحِيمًا} ؛ أي: منعمًا عليه بالجنة والثواب.