{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: من المؤمنين المخلصين لله، المصدقين برسوله {رِجَالٌ} كمله، فالتنوين فيه للتعظيم، والكمال {صَدَقُوا} ووفوا {مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ؛ أي: أوفوا بما عاهدوا الله عليه، ونذروا على أنفسهم من الثبات مع الرسول، والمقاتلة لإعلاء الدين، والصبر في اللأواء وحين البأساء؛ أي: حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر وغيرهم - رضي الله عنهم أجمعين - نذروا أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا.
وقيل المعنى: أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة، من الثبات معه، والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده، وهم المنافقون.
قال الحكيم الترمذي - رحمه الله -: خص الله الإنس من بين الحيوان، ثم خص المؤمنين من بين الإنس، ثم خص الرجال من المؤمنين، فقال: {رِجَالٌ صَدَقُوا} فحقيقة الرجولية الصدق، ومن لم يدخل في ميادين الصدق .. فقد خرج من حدّ الرجولية.
وقوله: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى} ووفى نحبه ونذره فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أحد، وبعض في غير هذه المواطن، كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قضاء نذره ووفاءه والقتل في سبيله؛ لكون موقنًا كعثمان وطلحة وغيرهما، فإنهم على نذووهم وقد قضوا بعضها، وهو الثبات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والقتال إلى حين نزول الآية الكريمة، ومنتظرون قضاء بعضها الباقي، وهو القتال إلى الموت شهيدًا، وفي وصفهم بالانتظار إشارة إلى كمال اشتياقهم إلى الشهادة.
تفصيل لحال الصادقين، وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب في الأصل: النذر المحكوم بوجوبه، وهو أن يلتزم الإنسان شيئًا من أعماله ويوجبه على نفسه، وقضاؤه الفراغ منه والوفاءُ به، يقال: قضى فلان نحبه؛ أي: وفي بنذره، ويعبر بذلك عمن مات كقولهم: قضى أجله واستوفى أكله، وقضى من الدنيا حاجته، وذلك، لأن الموت كنذر لازم في عنق كل حيوان.