وقوله تعالى: {فِي رَسُولِ الله . .} [الأحزاب: 21] كأن الأُسْوة الحسنة مكانها كل رسول الله ، فهو صلى الله عليه وسلم ظرف للأُسْوة الحسنة في كل عضو فيه صلى الله عليه وسلم ، ففي لسانه أُسْوة حسنة ، وفي عينه أُسْوة حسنة ، وفي يده أُسْوة حسنة . . إلخ ، كله صلى الله عليه وسلم أُسْوة حسنة .
هذه الأُسْوة لمَنْ؟ {لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً} [الأحزاب: 21]
وصف ذكر الله بالكثرة ؛ لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من النفس استعداداً وتهيؤاً لها ، وتؤدي إلى مشقة ، أما ذِكْر الله فكما قُلْنا لا يكلفك شيئاً ، ولا يشق عليك ؛ لذلك قال تعالى: {وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ...} [العنكبوت: 45]
يعني: أكبر من أيِّ طاعة أخرى ؛ لأنه يسير على لسانك ، تستطيعه في كل عمل من أعمالك ، وفي كل وقت ، وفي أيِّ مكان ، ولذلك قُلْنا في آية الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً ...} [الجمعة: 10]
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين {قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ . .} [الأحزاب: 22] أي: هذا النصر ، وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم {إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22]
وهذه المسألة دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص ، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه ، فبعد الإيمان بالحق - سبحانه وتعالى - هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت صِدْق الحق في كلِّ تصرف .
وتسليماً: أي لله في كلِّ ما يُجريه على العباد .