وتفرّقت الأحزاب ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة وبه من الشَّعَث ما شاء الله ؛ فجاءته فاطمة بغَسول فكانت تغسل رأسه ، فأتاه جبريل فقال:"وضعتَ السلاح ولم تضعه أهل السماء ، مازلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء ثم قال: انهض إلى بني قريظة".
وقال أبو سفيان: مازلت أسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الرَّوْحاء"."
قوله تعالى: {مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ}
رفع بالابتداء ، وصَلُح الابتداء بالنكرة لأن"صَدَقُوا"في موضع النعت.
{فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ} .
"مَن"في موضع رفع بالابتداء.
وكذا"وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ"والخبر في المجرور.
والنَّحْب: النذر والعهد ؛ تقول منه: نَحَبت أَنْحُب ؛ بالضم.
قال الشاعر:
وإذا نحبت كَلْبٌ على الناس إنهم ...
أحق بتاج الماجد المتكرم
وقال آخر:
قد نحب المجدُ علينا نَحْبَا ...
وقال آخر:
أَنَحْبٌ فيقضَى أم ضلالٌ وباطلُ ...
وروى البخاريّ ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال عمّي أنس بن النَّضْر سُمِّيت به ولم يشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكَبُر عليه فقال: أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غِبتُ عنه ، أما واللَّهِ لئن أرانِي الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد لَيَرَيَنّ الله ما أصنع.
قال: فهاب أن يقول غيرها ؛ فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد من العام القابل ، فاستقبله سعد بن مالك فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهاً لريح الجنة! أجدها دون أُحُد ؛ فقاتل حتى قُتل ، فوجِد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورَمْية.
فقالت عَمّتي الرُّبَيِّع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا بَبَنانه.
ونزلت هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} لفظ الترمذيّ ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.