يعرض النص القرآني منظر تبسط الظلّ في حركة تكاد من لطفها أن لا تتحرّك، ويزيد من شدة بطئها مجيء كلمة (ساكناً) بعدها، مع أنها لا تتمّ في واقع الأمر، لأن الله سبحانه لم يشأ أن يجعله ساكناً، إلاّ أن وجود اللفظة يلقي ظلّها في النفس، وهذا بعض المقصود من إيرادها، وظلّها هو تبطئة حركة الظلّ حتى تقترب من السكون، وتلك حقيقة طبيعية، فحركة الظل وئيدة جداً لا تكاد تظهر، ولكن التعبير القرآني الفريد يجسّم هذا البطء ويعطيه مساحة من الخيال، ومع أن التعبير ب - (ألم ترَ) يشي بأن تلك الحركة مألوفة للحسّ الإنساني، إلاّ أنها من شدة لطفها وسكونها لا يكاد الحسّ أن يرصدها، ولذلك جاء توظيف فعل الرؤية المسبوقة بأداة الاستفهام لإيقاظ الحسّ من إلفه.
والشيب ينتشر في الرأس في حركة بطيئة متدرجة: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} .
الشيب في الأصل ساكن، لكنه هنا يتحرك حركةَ النار في الهشيم في بطءٍ وثباتٍ، ويشترك في رصد هذه الحركة كلّ من اللون والصوت، لون الشيب الذي يشبه لمعانَ النيران في المرتفعات، وصوت اشتعال النار فيما يجاورها، ولا شكّ أن تخييل هذه الحركة وأبعادها تتأتى من استعارة (اشتعل) لانتشار الشيب في الرأس وتغطيته إياه كاملاً مع تقادم الزمن، ومعلوم أن الاستعارة أصل من أصول التخييل والتصوير في التعبير، ومحورها"هو تجاوز اللغة الدلالية إلى اللغة الإيحائية، وهو عبور يتم عن طريق الالتفاف خلف كلمة تفقد معناها على مستوى لغوي أول لتكتسبه على مستوى آخر، وتؤدي بهذا دلالة ثانية لا يتيسر أداؤها على المستوى الأول"، ومن المؤكد أن سرّ الاستعارة ليس في تخييل صور رائعة وجديدة فحسب، بل في قدرتها على تحريك ما من عادته السكون، إذ"تنتقل الاستعارة بالنص من الجمود اللفظي المحدّد إلى السيرورة في التعبير ... كما تريك الاستعارة"