{يوقد من شجرة مباركة زيتونة} ونور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون. ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل. إنما هو كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة. ظلال الوادي المقدس في الطور ، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب. وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها: {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} وهي شجرة معمرة ، وكل ما فيها مما ينفع الناس. زيتها وخشبها وورقها وثمرها.. ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير. فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة. إنما هي مثل مجرد للتقريب: {لا شرقية ولا غربية} .. وزيتها ليس زيتاً من هذا المشهود المحدود ، إنما هو زيت آخر عجيب: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} .. فهو من الشفافية بذاته ، ومن الإشراق بذاته ، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق ؛ {ولو لم تمسسه نار} .. {نور على نور} .. وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف!
إنه نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض. النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه. إنما هي محاولة لوصل القلوب به ، والتطلع إلى رؤياه: {يهدي الله لنوره من يشاء} .. ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه. فهو شائع في السماوات والأرض ، فائض في السماوات والأرض. دائم في السماوات والأرض. لا ينقطع ، ولا يحتبس ، ولا يخبو. فحيثما توجه إليه القلب رآه. وحيثما تطلع إليه الحائر هداه. وحيثما اتصل به وجد الله.
إنما المثل الذي ضربه الله لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك ، وهو العليم بطاقة البشر:
{ويضرب الله الأمثال للناس ، والله بكل شيء عليم} ..
ذلك النور الطليق ، الشائع في السماوات والأرض ، الفائض في السماوات والأرض ، يتجلى ويتبلور في بيوت الله التي تتصل فيها القلوب بالله ، تتطلع إليه وتذكره وتخشاه ، وتتجرد له وتؤثره على كل مغريات الحياة: