قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَا مَغْفُورٌ لَهَا مَا فَعَلَتْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْكُفْرِ يُزِيلُ حُكْمَهُ إذَا أَظْهَرَهُ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ: {إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} لِأَنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ الزِّنَا وَلَمْ تُرِدْ التَّحَصُّنَ ثُمَّ فَعَلَتْهُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْإِكْرَاهِ وَهِيَ مُرِيدَةٌ لَهُ، كَانَتْ آثِمَةً بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ وَكَانَ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ زَائِلًا عَنْهَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الظَّاهِرِ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ يَأْبَاهُ فِي الظَّاهِرِ إلَّا أَنَّهُ فَعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ كَانَ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَقُولَ: (اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتُمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَرَ بِبَالِهِ أَنْ يَقُولَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ عَنْ الْكُفَّارِ أَوْ أَنْ يَعْتَقِدَ شَتْمَ مُحَمَّدٍ آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصْرِفْ قَصْدَهُ وَنِيَّتَهُ إلَى ذَلِكَ وَاعْتَقَدَ أَنْ يَقُولَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، كَانَ كَافِرًا. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}