ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلاً على تلقي ذلك الفيض الغامر دائماً ، ولا يستشرف طويلاً ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي ، عاد يقارب مداه ، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود ، في مثل قريب محسوس:
{مثل نوره كمشكاة فيها مصباح. المصباح في زجاجة. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور} ..
وهو مثل يقرب للإدراك المحدود ؛ ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس ، حين يقصر عن تملي الأصل. وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير.
ومن عرض السماوات والأرض إلى المكشاة. وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة ، يوضع فيها المصباح ، فتحصر نوره وتجمعه ، فيبدو قوياً متألقاً: {كمشكاة فيها مصباح} .. {المصباح في زجاجة} .. تقيه الريح ، وتصفي نوره ، فيتألق ويزداد.. {الزجاجة كأنها كوكب دري} .. فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة.. هنا يصل بين المثل والحقيقة. بين النموذج والأصل. حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير ، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير ، الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير.. وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج. إلى المصباح: