ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي قَوَائِم الْحَيَوَان كَيفَ اقْتَضَت أن يكون زوجا لَا فَردا إما اثْنَتَيْنِ وَإِمَّا أربعا ليتهيأ لَهُ الْمَشْي وَالسَّعْي وتتم بذلك مصْلحَته إِذْ لَو كَانَت فَردا لم يصلح لذَلِك، لأن الْمَاشِي ينْتَقل بِبَعْض قوائمه ويعتمد على بعض فذو القائمتين ينْقل وَاحِدَة ويعتمد على الأخرى، وَذُو الأربع ينْقل اثْنَتَيْنِ ويعتمد على اثْنَتَيْنِ، وَذَلِكَ من خلاف لِأَنَّهُ لَو كَانَ ينْقل قائمتين من جَانب ويعتمد على قائمتين من الْجَانِب الآخر لم يثبت على الأرض حَال نَقله قوائمه، ولكان مَشْيه نقرا كنقر الطَّائِر، وَذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِيه ويتبعه لنقل بدنه بِخِلَاف الطَّائِر، وَلِهَذَا إِذا مَشى الإنسان كَذَلِك قَلِيلا أجهده وشق عَلَيْهِ بِخِلَاف مشْيَة الطبيعي الَّذِي هُوَ لَهُ فاقتضت الْحِكْمَة تَقْدِيم نقل الْيُمْنَى من يَدَيْهِ مَعَ الْيُسْرَى من رجلَيْهِ، وإقرار يسرى الْيَدَيْنِ ويمنى الرجلَيْن، ثمَّ نقل الآخريين كَذَلِك وَهَذَا أسهل مَا يكون من الْمَشْي وأخفه على الْحَيَوَان.
(فصل)
ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الباهرة فِي وَجه الدَّابَّة كَيفَ هُوَ فإنك ترى الْعَينَيْنِ فِيهِ شاخصتين أمامها لتبصر مَا بَين يَديهَا أتم من بصر غَيرهَا، لأنها تحرس نَفسهَا وراكبها فتتقي أن تصدم حَائِطا أوْ تتردى فِي حُفْرَة، فَجعلت عَيناهَا كعيني المنتصب الْقَامَة لأنها طَلِيعَة، وَجعل فوها مشقوقا فِي أسفل الخطم لتتمكن من العض وَالْقَبْض على الْعلف، إِذْ لَو كَانَ فَوْقهَا فِي مقدم الخطم كَمَا أنه من الإنسان فِي مقدم الذقن لما استطاعت أن تتَنَاوَل بِهِ شَيْئا من الأرض.
ألا ترى الإنسان لَا تنَاول الطَّعَام بِفِيهِ لَكِن بِيَدِهِ، فلما لم تكن الدَّابَّة تتَنَاوَل طعامها بِيَدِهَا جعل خطمها مشقوقا من أَسْفَله لتضعه على الْعلف، ثمَّ تقضمه وأعينت بالجحفلة وَهِي لَهَا كالشفة للإنسان لتلتقم بهَا مَا قرب مِنْهَا وَمَا بعد.
وَقد أشكلت مَنْفَعَة الذَّنب على بعض النَّاس وَلم يهتد إليها وَفِيه مَنَافِع عديدة، فَمِنْهَا أنه بِمَنْزِلَة الطَّبَق على الدبر، والغطاء على حياها يواريهما ويسترهما.
وَمِنْهَا أن بَين الدبر ومراق الْبَطن من الدَّابَّة لَهُ وضر يجْتَمع عَلَيْهِ الذُّبَاب والبعوض فيؤذي الدَّابَّة فَجعل أذنابها كالمذابِّ لَهَا والمراوح تطرد بِهِ ذَلِك.