وَلَا تزَال بهَا كَذَلِك حَتَّى يينْهض الفرخ ويستقل بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ كُله من حظها وَقسمهَا الَّذِي وصل إليها من الرَّحْمَة الْوَاحِدَة من الْمِائَة فَإِذا اسْتَقل بِنَفسِهِ وأمكنه الطيران لم يزل بِهِ الأبوان يعالجانه أتم معالجة وألطفها حَتَّى يطير من وَكره ويسترزق لنَفسِهِ ويأكل من حَيْثُ يأكلان وكأنهما لم يعرفاه وَلَا عرفهما قطّ بل يطردانه عَن الوكر، وَلَا يدعانه وأقواتهما بَينهمَا، بل يَقُولَانِ لَهُ بِلِسَان يفهمهُ اتخذ لَك وكرا وقوتا فَلَا وكر لَك عندنَا وَلَا قوت.
فسل الْمُعَطل أهذا كُله عَن إهمال؟ وَمن الَّذِي ألهمها ذَلِك؟ وَمن الَّذِي عطفها على الْفِرَاخ وَهِي صغَار أحوج مَا كَانَت إليها ثمَّ سلب ذَلِك عَنْهَا إِذْا استغنت الْفِرَاخ رَحْمَة بالأمهات تسْعَى فِي مصالحها، إِذْ لَو دَامَ لَهَا ذَلِك لَأضر بهَا وشغلها عَن معاشها لَا سِيمَا مَعَ كَثْرَة مَا يحْتَاج إليه أولادها من الْغذَاء، فَوضع فِيهَا الرَّحْمَة والإيثار
والحنان رَحْمَة بالفراخ وسلبها إِيَّاهَا عِنْد استغنائها رَحمَه بالأمهات أفيجوز أن يكون هَذَا كُله بِلَا تَدْبِير مُدبر حَكِيم، وَلَا عناية وَلَا لطف مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لقد قَامَت أَدِلَّة ربوبيته وبراهين إلهيته وشواهد حكمته وآيات قدرته، فَلَا يَسْتَطِيع الْعقل لَهَا جحُودًا إِن هِيَ إلا مُكَابَرَة بِاللِّسَانِ من كل جحود كفور {أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض}
وَإِنَّمَا يكون الشَّك فِيمَا تخفى أدلته وتشكل براهينه.
فأما من لَهُ فِي كل شَيْء محسوس أوْ مَعْقُول آيَة بل آيَات مؤدية عَنهُ شاهدة لَهُ بِأَنَّهُ الله الَّذِي لَا إله إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين
فَكيف يكون فِيهِ شكّ؟
(فصل)