فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض، وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته وصفاته قائمة به من لوازم ذاته.
والمقصود أن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد وفعل واحد من فاعل واحد وقدرة واحدة من قادر واحد وحكمة واحدة من حكيم واحد بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ابتدأت كلها من خالق واحد وقادر واحد ورب واحد، ودل على الأمرين أعني توحيد الربوبية والإلهية النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها وتعذرها، ودل افتقار بعضها إلى بعض وتشبك بعضها ببعض ومعاونة بعضها ببعض وارتباطه به على أنها صنع فاعل واحد ورب واحد، فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك أحدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء، ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها غيره ولا معبود لها سواه.
فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها فيما اجتمعت فيه وافتراقها فيما افترقت على إله واحد ورب واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله.
(فصل)
ثمَّ تَأمل أولا ذَوَات الأربع من الْحَيَوَان كَيفَ ترَاهَا تتبع أمهاتها مُسْتَقلَّة بأنفسها فلا تحتاج إلى الْحمل والتربية كَمَا يحْتَاج إليه أولاد الإنس، فَمن أجل أنه لَيْسَ عِنْد أمهاتها مَا عِنْد أمهات الْبشر من التربية والملاطفة والرفق والآلات الْمُتَّصِلَة والمنفصلة أعطاها اللَّطِيف الْخَبِير النهوض والاستقلال بأنفسها على قرب الْعَهْد بِالْولادَةِ، وَلذَلِك ترى أفراخ كثير من الطير كالدجاج والدراج والفتخ يدرج ويلقط حِين يخرج من الْبَيْضَة، وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيف النهوض كفراخ الْحمام واليمام أعطى سُبْحَانَهُ أمهاتها من فَضله الْعَطف والشفقة والحنان مَا تمج بِهِ الطّعْم فِي أَفْوَاه الْفِرَاخ من حواصلها فتخبأه فِي أعز مَكَان فِيهَا ثمَّ تسوقه من فِيهَا إلى أفواه الْفِرَاخ.