قد كان المسلمون يتكلمون في الصَّلاة ويطَبِّقُون إذا ركعوا، فنَهَى عن ذلك إمامٌ من الأئمَّةِ، وَضَرَبَ عليه، بعد أن أظهَرَ النَّسخ، وعرَّفهم أن ذلك من المنسوخ، فكأَنَّ قائلاً قال: أتنهانا عن شيءٍ، وقد كان على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيقول: نعم، وقد قدَّم الاحتجاجَ في النَّاسخ والمنسوخ.
ومن العجَب أنَّ ناساً جعلُوا هذا القولَ على المِنبرِ من عيوبه، فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرضِ أجهلُ من عُمَرَ حين يُظهِرُ الكُفْرَ في الإسلام على مِنبر الجماعة، وهو إنَّما علاه بالإسلام، ثمَّ في شيءٍ ليس له حُجَّةٌ فيه ولا عِلة، وأعجَبُ منه تلك الأمّة، وتلك الجماعة التي لم تُنْكِرْ تلك الكلمةَ في حياته، ولا بَعْدَ موته؛ ثمّ تَرَكَ ذلك جميعُ التَّابعين وأتباعِ التَّابعين، حتَّى أفضَى الأمرُ إلى أهْلِ دهرنَا هذا.
وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عُثمان على أن سيَّرَ رجلاً، وهذا لا يقوله إلاّ جاهلٌ أو معاند، وعلى تأويل قوله: {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} قال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ}
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} فجعل للنَّار خزائن، وجعل لها خزنة، كما جعل في الجنَّةِ خزائن وجعل لها خَزَنة.
ولو أنَّ جهنَّمَ فُتحَتْ أبوابُهَا، ونُحّي عنها الخَزَنَة، ثمّ قيل لكلِّ لصٍّ في الأرض، ولكلِّ خائن في الأرض: دونَكَ؛ فقد أُبِيحَتْ لكلَمَا دنا منها، وقد جُعِل لها خزائنٌ وخَزَنة، وإنَّمَا هذا على مثالِ ما ذكرنَا، وهذا كثيرٌ في كَلاَمِ العَرَب.
والآيُ التي ذكرنا في صِدْقِ هذا الجواب، كلها حُجَجٌ على الخوارج في إنكارهم المنْزِلة بين المنزلتين. انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...