وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ حَطَّ بَعْضِ الْكِتَابَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، وَذَلِكَ خِلَافُ مُوجِبِ الْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إذَا سَقَطَ لَمْ يُحَصِّلْ مَالًا لِلَّهِ قَدْ آتَاهُ الْمَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا آتَاهُ فَهُوَ الَّذِي يُحَصَّلُ فِي يَدِهِ وَيُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَمَا سَقَطَ عَقِيبَ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَلَمْ يُحَصَّلْ لَهُ عَلَيْهِ بَلْ لَا يَسْتَحِقَّ الصِّفَةَ بِأَنَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاهُ إيَّاهُ.
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْإِيتَاءُ وَاجِبًا لَكَانَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ هُوَ الْمُوجِبُ لَهُ وَهُوَ الْمُسْقِطُ ، وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ يُوجِبُهُ وَهُوَ بِعَيْنِهِ مُسْقِطٌ اسْتَحَالَ وُجُوبُهُ لِتَنَافِي الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ ثُمَّ يَسْقُطُ فِي الثَّانِي.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُوجِبُ لَهُ هُوَ الْمُسْقِطُ لَهُ ؛ إذْ كَانَ الَّذِي يُوجِبُهُ هُوَ الْعَقْدُ وَاَلَّذِي يُسْقِطُهُ هُوَ حُصُولُ مِلْكِهِ لِلْمَوْلَى فِي الثَّانِي فَالْمُوجِبُ لَهُ غَيْرُ الْمُسْقِطِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى أَبَاهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ فَالْمُوجِبُ لِلْمِلْكِ هُوَ الشِّرَى وَالْمُوجِبُ لِلْعَتَاقِ حُصُولُ الْمِلْكِ مَعَ النَّسَبِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُوجِبُ لَهُ هُوَ الْمُسْقِطُ.