(وَلَكِنَّ الْبِرَّ) وقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) .
والثاني: أن يكون مصدراً وضع موضع اسم الفاعل. كما قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) أي: غائرًا. وكما قالت الخنساء:
تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإِنما هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبارُ
ويُسأل عن الضمير في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) علامَ يعود؟
وفيه أجوبة:
أحدها: أنه يعود على اسم الله عز وجل، وهو قول ابن عباس، وفي هذا تقديران:
أحدهما: أن يكون على معنى: مثل نوره الذي جعله في قلب المؤمن كمشكاة صفتها كذا وكذا، فأضاف
النور إلى نفسه، كما يقال بيت الله، وناقة الله، للتعظيم لهما.
والثاني: أن يكون نور الصباح أعظم نور يعرفه الناس، فضرب الله تعالى المثل به، وشبه نوره بأعظم
نور يعرفه الناس؛ لأنه تعالى خاطب العرب على قدر ما يفهمون.
وقال الحسن المعنى: مثل نور القرآن في القلب كمشكاةٍ؟.
ويروى عن ابن عباس أيضا: أن النور هاهنا (الطاعة) أي: مثل طاعة الله في قلب المؤمن.
وقيل: يعود الضمير على النبي صلى الله عليه، أي: مثل نور النبي في المؤمنين.
واختلف في قوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) :
فقال ابن عباس: لا شرقية تشرق عليها الشمس فقط، ولا غربية تغرب عليها الشمس فقط، بل هي
شرقية غربية؛ لأنَّها أخذت بحظها من الأمرين. وروي عنه أيضا أنه قال: هي وسط الشجر.
وروي عن قتادة: أنها ضاحية للشمس.
وقال الحسن: ليس من شجر الدنيا، فتكون شرقية أو غربيةً.
وقوله تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) ، أي: نور هدى التوحيد على نور الهدى بالقرآن، وقيل: نُورٌ عَلَى نُورٍ يضيء بعضه بعضا. وهو قول زيد بن أسلم.
قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وعاصم من طريق حفص (دُرِّيٌّ) بضم الدال، نسبوه إلى (الدُرّ) في
صفائه وبياضه. وقرأ أبو عمرو والكسائي (دِرِّيءٌ) بكسر الدال والهمز، أخذه من (الدرء) وهو الدفع. كأنه يدفع الظاهر بنوره، وقرأ حمزة وعاصم من طريق أبي بكر (دُرِّيءٌ) بضم الدال والهمزة، وفى
هذه القراءة نظر؛ لأن (فُعِّيلا) في الكلام لم يأتِ منه سوى (مُرِّيْق) وهو بناء شاذ.