ومن أمثلته من السنة: حديث مسلم: أأُصَلِّي في مرابض الغنم؟ قال"نعم"الحديث ، فإن معنى نعم هنا: صَلِّ فيها. وهذا الأمر بالصلاة فيها للإباحة لأنه بعد الاستذئان ، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر ، أو الاستئذان معروف.
هذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره ، ووجوب الحج عمن وجب عليه في الحياة ، ومات قبل أن يحج وترك مالاً ، وقد علمت أدتلهم ومناقشتها.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأحاديث التي ذكرنا ، تدل قطعاً على مشرويعة الحج عن المعضوب ، والميت.
وقد قدمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فوراً ، وعليه فلو فرط ، وهو قادر على الحج ، حتى مات مفرطاً مع القدرة ، أنه يحج عنه من رأس ماله ، إن ترك مالاً ، لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته ، فكانت دَيْناً عليه ، وقضاء دين الله صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال"فَدَيْنُ الله أحق أن يُقضى".
أما من عاجله الموت قبل التمكن ، فمات غير مفرط ، فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه ، ولا دَيْن لله عليه ، لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته ، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها ، وقد دلت الأحاديث المذكورة على جواز حج الرجل عن المرأة ، وعكسه ، وعليه عامة العلماء ، ولم يخالف فيه إلا الحسن بن صالح بن حي.
والأحاديث المذكورة حجة عليه ، وقد قدمنا أن مالكاً رحمه الله ومن وافقوه ، لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرها مع كثرتها وصحتها ، لأنها مخالفة عندهم ، لظاهر القرآن في قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} [النجم: 39] . وقوله {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] والمعضوب والميت ، ليس واحد منهما بمستطيع ، لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه.