وقال مرة: يأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويطعم ثلثاً ؛ لقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر} [الحج: 36] فذكر ثلاثة.
الخامسة عشرة: المسافر يخاطب بالأضحيّة كما يخاطب بها الحاضر ؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها ، وهو قول كافة العلماء.
وخالف في ذلك أبو حنيفة والنَّخَعيّ ، وروي عن عليّ ؛ والحديث حجة عليهم.
واستثنى مالكٌ من المسافرين الحاج بمنًى ، فلم ير عليه أضحية ؛ وبه قال النخعِيّ.
وروي ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهَدْي ، فإذا أراد أن يضحي جعله هدياً ، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منًى فيحصل لهم حظ من أجرهم.
السادسة عشرة: اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال.
روي عن عليّ وابن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدّخر من الضحايا بعد ثلاثٍ.
وروياه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وسيأتي.
وقالت جماعة: ما روي من النهي عن الادخار منسوخ ؛ فيدّخر إلى أي وقت أحبّ.
وبه قال أبو سعيد الخُدْري وبُريدة الأسلمي.
وقالت فرقة: يجوز الأكل منها مطلقاً.
وقالت طائفة: إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدّخر ؛ لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله عليه السلام:"إنما نهيتكم من أجل الدّافة التي دفّت"ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدّم لارتفاع موجِبه ، لا لأنه منسوخ.
وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي:
السابعة عشرة: وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علّته.
اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبداً ، والمرفوع لارتفاع علّته يعود الحكم لعَوْد العلة ؛ فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأَضْحى ؛ ولم يكن عند أهل ذلك البلد سَعة يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعيّن عليهم ألا يدّخروها فوق ثلاث كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم.