كانَ ولا يكونُ ، بلْ أطلقَ اللفظَ ، ليعمَّ الماضي والمستقبلَ والراهنَ.
وسمعته يقول: وتدبرتُ قولَه تعالى: (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ، فرأيتُ
لها ثلاثةَ أوجهٍ.
أحدُها: أن قائلَها يتبرأُ من حولِهِ وقوتِهِ ، ويسلِّمُ الأمرَ إلى مالِكِهٍ.
والثاني: أنه يعلمُ أنْ لا قوةَ للمخلوقينَ إلا باللَّه ، فلا يخافُ منهم ؛ إذ
قُواهُم لا تكونُ إلا باللَّهِ ، وذلك يوجبُ الخوفَ من اللًّهِ وحدَهُ.
والثالثُ: أنَّه ردَّ على الفلاسفةِ والطبائعيين الذين يدَّعونَ القُوى في الأشياءِ
بطبيعتها ، فإنَّ هذه الكلمةَ بيَّنتْ أنَّ القَويَّ لا يكُونُ إلا باللَّه.
قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)
وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -:"أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها"
ظاهرُه أنَّ الستيئاتِ تُمحَى بالحسناتِ.
وقد تقدَّم ذكرُ الآثارِ التي فيها أنَّ السيئةَ تمحى من صُحفِ الملائكة بالحسنةِ إذا عُملتْ بعدَهَا ، قال عطيّةُ العوفيُّ: بلغنِي أنَّه من بكى على خطيئتهِ مُحيتْ
عنه ، وكُتِبتْ له حسنة ، وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو ، قالَ: من ذكرَ خطيئةً
عمِلهَا ، فوَجِلَ قلبُهُ منها ، فاستغفرَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لم يَحبسْها شيءٌ حتى
يمحوها عنه الرَّحمنُ. وقال بِشْرُ بنُ الحارثِ: بلغني عن الفضيلِ بنِ عياضٍ.
قالَ: بكاءُ النَّهارِ يمحُو ذنوبَ العلانيةِ: وبكاءُ الليلِ يمحُو ذنوبَ السِّرِّ ، وقد
ذكرَنا قولَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّه به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ"الحديث.
وقال طائفة: لا تُمحَى الذنوبُ من صحائفِ الأعمالِ بتوبةٍ ولا غيرِها ، بل