فالتقدير: أتبع أمره سببا وقيل: اتبع الحق واتبع بمعنى، واختار أبو عبيد قراءة التشديد، قال: لأنها من المسير إنما هي افتعل من قولك: تبعت القوم، أما الإتباع بهمز الألف فإنما معناه اللحاق كقولك: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} ، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} ، ونحوه، واختار الفراء قراءة التخفيف فقال:"أتبع"أحسن من"اتبع"؛ لأن اتبعت الرجل إذا كان يسير وأنت تسير وراءه فإذا قلت: أتبعته فكأنك قفوته، قال أبو جعفر النحاس: وغيره الحق أنهما لغتان بمعنى السير، فيجوز أن يكون معه اللحاق وأن لا يكون.
قلت: ومعنى الآية: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ؛ أي: من أسباب كل شيء أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه سببا طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة، وآلة: فأراد بلوغ المغرب، {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} يوصله إليه:"حتى بلغ"، وكذلك أراد بلوغ المشرق، {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} ، وأراد بلوغ السدين {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} .
هذه عبارة الزمخشري في ذلك، وقال أبو علي: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} بالخلق إليه حاجة سببا؛ أي: علما ومعونة له على ما مكناه فيه فاتجه في كل وجه وجهناه له، وأمرناه به للسبب الذي ينال به صلاح ما مكن منه وقوله:
"في عين حامية"، هذه القراءة بزيادة ألف بعد الحاء وبياء صريحة بعد الميم؛ أي: حارة من حميت تحمى فهي حامية، قال أبو علي: ويجوز أن تكون فاعلة من الحمأ، فخففت الهمزة بقلبها ياء محضة قلت: لأنها مفتوحة بعد مكسورة فإبدالها ياء وهو قياس تخفيفها على ما سبق في باب وقف حمزة، وفي هذا الوجه جمع بين معنى القراءتين كما يأتي ثم تمم الكلام في بيان هذه القراءة في البيت الآتي، وأخبر عن لفظ صحبة بقوله: كلا؛ أي: حفظ كما أخبر عنها فيما تقدم بقوله: تلا، وفي موضع آخر ولا؛ لأنه مفرد.
وَفِي الْهَمْزِ يَاءٌ عَنْهُمُ وَ"صِحَابُـ"ـهُمْ ... جَزَاءُ فَنَوِّنْ وَانْصِبِ الرَّفْعَ وَأَقْبَلا
فالقراءة الأخرى بالقصر والهمز حمئة؛ أي: فيها الحمأة وهو الطين الأسود. وروي أن معاوية سأل كعبا: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: في"ماء وطين"، وفي رواية: في"حمأة وطين"، وفي أخرى: في طينة سوداء، أخرجهن أبو عبيد في كتابه وروي في شعر تبع في ذي القرنين:
فرأى مغيب الشمس عند مآبها ... في غير ذي خلب دثاط حرمد