وليعلم أن لفظ إسكندر الذي أطلق على ذي القرنين هذا ليس هو الإسكندر الرومي الذي ملك الفرس والروم والذي يؤرخ الروم بأيامه ، لأن هذا الذي نحن بصدده كان على عهد إبراهيم عليه السلام بعد نمرود وقد عاش ألفا وستمئة سنة قبل إسكندر المقدوني بأكثر من ألفي سنة ، لأن إسكندر المقدوني ولد قبل المسيح بثلاثمائة وست وخمسين سنة ، وولايته قبلها في سنة 236 ، ووفاته سنة 340 ، فيكون عمره 33 سنة ، وكان وزيره أرسطو طاليس الفيلسوف المشهور الذي حارب دارا وأذلّ ملوك الفرس ووطئ أرضهم ، وعمر الإسكندرية وغيرها ، وكان كافرا ، وقد غلط كثير من العلماء والمفسرين فظنوه هو المذكور في القرآن ، وحاشا كلام اللّه أن يشمل هذا الكافر بما ذكر من الثناء ، وليس هو الإسكندر اليوناني الذي ولي الملك بعد أبيه مرزين ، واسمه المرزبان المار ذكره أول الآية 84 وإنما هو غيرهما ، وهو رجل اسمه ذو القرنين فقط ، كما ذكر اللّه ، وهو رجل صالح ، نابه طيب ، وقد قبض اللّه له قرناء صالحين ، فأطاع اللّه وأصلح سيرته ، وقصد الملوك والجبابرة وقهرهم ، ودعا الناس لطاعته على طاعة اللّه تعالى وتوحيده ، قالوا ولما أقبل إلى مكة شرفها اللّه ونزل بالأبطح قالوا له في هذه البلدة خليل الرحمن ، فدخلها ماشيا وقال ما ينبغي لي أن أدخل بلدة فيها خليل الرحمن وأنا راكب ، حتى جاء إلى إبراهيم عليه السلام وسلم عليه وعانقه ، فهو أول من عانق عند السلام ، وسخر اللّه له السحاب والنور والظلمة فإذا سرى بجيوشه يظله السحاب من فوقه وتحوطه الظلمة ويهديه النور ، وكان على مقدمته الخضر عليه السلام ، فحظي بعين الحياة ، وأخطأها ذو القرنين ، وانقادت له البلاد ، وإن ما قصّ اللّه علينا من أمره كاف من عظمته ، ومات في مدينة شهرزور ودفن فيها ، وقالوا إنه دار في الدنيا مدة خمسمائة سنة ، وقال بعضهم إنه مات في بيت المقدس ، واللّه أعلم.