أي: قل لهم في هذه المرة من جهتك، بعد أن قلت لهم في المرة السابقة من جهتنا: قل لهم - أيها الرسول الكريم - يكفيني ويرضيني ويسعدني، أن يكون الله - تعالى - هو الشهيد والحاكم بيني وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو - سبحانه - يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، إنه - تعالى - كان وما زال خبيرا بصيرا. أي: محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وفي هذه الآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى، وتهديد لهم بسوء المصير، حيث آذوا نبيهم الذي جاء لهدايتهم وسعادتهم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التي تذرع بها الكافرون
في البقاء على كفرهم، كما حكت ما اقتضته حكمته - سبحانه - في إرسال الرسل، وهددت المصرين على كفرهم بسوء العاقبة.
ثم ساق - سبحانه - شبهة أخرى من شبهات المشركين التي حكاها عنهم كثيرا، ورد عليها بما يبطلها، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة، بعد أن بين أن الهداية والإضلال من شأنه وحده فقال - تعالى -:
[سورة الإسراء (17) : الآيات 97 إلى 100]
(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ ...(97)
وقوله - سبحانه -: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ كلام مستأنف منه - تعالى - لبيان نفاذ قدرته ومشيئته.
أي: ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق، فهو الفائز بالسعادة، المهدى إلى كل مطلوب حسن، وَمَنْ يُضْلِلْ أي: ومن يرد الله - تعالى - إضلاله فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أيها الرسول الكريم أَوْلِياءَ أي: نصراء ينصرونهم ويهدونهم إلى طريق الحق مِنْ دُونِهِ عز وجل، إذ أن الله - تعالى - وحده هو الخالق للهداية والضلالة، على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.
وجاء قوله - تعالى - فَهُوَ الْمُهْتَدِ بصيغة الإفراد حملا على لفظ مَنْ في قوله وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ وجاء قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ بصيغة الجمع حملا على معناها في قوله:
وَمَنْ يُضْلِلْ.