إذن: بيَّن الحق سبحانه في أساليب القرآن مَنْ شاء هدايته ، أما مَنْ آثر الكفر وصمم ألاَّ يؤمن فهو وشأنه ، بل ويزيده الله من الكفر ويختم على قلبه ، كما قال تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]
نعود إلى مَن {في قوله تعالى:} وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.. { [الإسراء: 97] قلنا: إن (مَن) اسم موصول بمعنى الذي ، واستخدام (مَن) كاسم موصول لا يقتصر على (الذي) فقط ، بل تستخدم لجميع الأسماء الموصولة: الذي ، التي ، اللذان ، اللتان ، الذين ، اللاتي. فتقول: مَنْ جاءك فأكرِمْه ، ومَنْ جاءتك فأكرمْها ، ومَنْ جاءاك فأكرمهم ، ومَنْ جاءتاك فأكرمهما ، ومَنْ جاءوك فأكرمهم ، ومَنْ جِئْنَكَ فأكرمْهُن.
فهذه ستة أساليب تؤديها (مَن) فهي - إذن - صالحة للمذكّر وللمؤنّث وللمفرد وللمثنى وللجمع ، وعليك أن تلاحظ (مَنْ) في الآية: وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.. { [الإسراء: 97] جاءت (مَنْ) دالَّة على المفرد المذكر ، وهي في نفس الوقت دالّة على المثنى والجمع المذكر والمؤنث ، فنقول: مَنْ يهدِهَا الله فهي المهتدية ، ومَنْ يهدهم الله فهم المهتدون. وهكذا.
ونسأل: لماذا جاءت (مَنْ) دالة على المفرد المذكر بالذات دون غيره في مجال الهدى ، أما في الضلال فجاءتْ (مَنْ) دالة على الجمع المذكر؟ نقول: لأنه لاحظ لفظ (من) فأفرد الأولى ، ولاحظ ما تطلق عليه (من) فجمع الثانية: وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ.. { [الإسراء: 97]
وهنا مَلْحظ دقيق يجب تدبُّره: في الاهتداء جاء الأسلوب بصيغة المفرد: وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.. { [الإسراء: 97] لأن للاهتداء سبيلاً واحداً لا غير ، هو منهج الله تعالى وصراطه المستقيم ، فللهداية طريق واحد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".