فمرة: نفَى عنهم العلم ، ومرة أخرى: أثبتَ لهم العلم. والمراد أنهم لا يعلمون حقائق الأمور ، ولكنهم يعلمون العلوم السطحية الظاهرة منها. ونحن نكرّر مثل هذه القضايا لكي تستقرّ في النفس الإنسانية ، وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها.
ومن ذلك أيضاً قول الحق سبحانه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىا..} [الأنفال: 17]
فأثبت للرسول رَمْياً ، ونفى عنه رَمْياً ، لكن إذا جاء هذا الكلام من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة مُنفكّة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر أخذ حَفْنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه ، وهذا هو الرّمْي الذي أثبتته الآية ، وقد تولَّتْ القدرة الإلهية إيصال ذرات هذه الحفنة إلى عيون الأعداء ، فأصابتهم جميعاً وشغلتْهم عن القتال ، وهذا هو الرَّمْي الذي نفاه الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولتقريب هذه المسألة: ابنك الذي تحمله على المذاكرة وتُرغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها أمامه ويُقلِّب فيها ليوهمك أنه يذاكر ، فإذا ما راجعت معه ما ذاكر لا تجدْه حصَّل شيئاً فتقول له: ذاكرتَ وما ذاكرت ، فتُثبِت له الحدث مرة ، وتنفيه عنه أخرى ؛ لأنه ذاكر شكلاً ، ولم يذاكر موضوعاً.
إذن: فالحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة ، ويختص مَنْ آمن بهداية المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج ، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17]
وقال عن الآخرين: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف: 7] لكن يهدي العادلين.
وقال: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] .. لكن يهدي الطائعين.
وقال: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .. لكن يهدي المؤمنين.