قالوا: ومما يعرض فيه من سوء التأليف ومن نسق الكلام على ما ينبو عنه ولا يليق به قوله سبحانه: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} [سورة الأنفال] عقيب قوله: {أولئك هم المؤمنون حقًا. لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} وكما (في) تشبيه شيء بشيء ولم يتقدم من أول الكلام ما يشبه به ما تأخر منه. وكقوله سبحانه: {وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين} [سورة الحجر] , وقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم ...} [سورة المزمل] الآية.
قالوا: وقد يوجد في القرآن الحذف الكثير والاختصار الذي يشكل معه وجه الكلام ومعناه كقوله سبحانه: ولو أن قرآناً سيِّرت به الجبال أو
قطعت به الأرض أو كلِّم به الموتى [سورة الرعد] الآية ثم لم يذكر جوابه , وفي ذلك تبتير الكلام وإبطال فائدته. وكقوله سبحانه: {حتى إذا جاءُوها وفتحت أبوابها} [سورة الزمر] الآية ونظائرها. ثم قد يوجد فيه على العكس منه التكرار المضاعف كقوله سبحانه في سورة الرحمن {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [سورة الرحمن] وفي سورة المرسلات: {ويل يومئذ للمكذبين} [سورة المرسلات] , وليس واحد من المذهبين بالمحمود عن أهل اللسان , ولا بالمعدود في النوع الأفضل من طبقات البيان. وقد يدخل بين الكلامين ماليس من جنسهما ولا قبيلهما كقوله سبحانه: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتَّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} [سورة القيامة] عقيب قوله {بل الإنسان على نفسه بصيره , ولو ألقى معاذيره} بين يدي قوله {كلا بل تحبون العاجله وتذرون الآخرة} وليس ذلك بالمستحسن ولا بالمختار عند أهل البلاغة وأرباب البيان , والأحسن أن يكون الكلام مفصلاً مقسوماً على أبوابه , وأن يكون لكل نوع منه حيز وقبيل لا يدخل في قبيل غيره.
قالوا: لو كانت سور القرأن على هذا الترتيب فتكون أخبار الأمم وأقاصيصهم في سورة , والمواعظ والأمثال في سورة , والأحكام في أخرى لكان ذلك أحسن في الترتيب , وأعون على الحفظ , وأدل على المراد؛ في أمور غير هذه يكثر تعدادها.
والجواب: أن القول في وجود ألفاظ القرآن وبلاغتها على النعت الذي ,
وصفناه صحيح لا ينكره إلا جاهل أو معاند , وليس الأمر في معاني هذه الآي على ما تأولوه ولا المراد في أكثرها على ما ظنوه وتوهموه.