وأما من وعن فإنهما يفترقان في مواضع كقولك: أخذت منه مالا , وأخذت عنه علمًا , فإذا قلت: سمعت منه كلامًا أردت سماعه من فيه , وإذا قلت سمعت عنه حديثًا كان ذلك عن بلاغ , وهذا على ظاهر الكلام وغالبه. وقد يتعارفان في مواضع من الكلام. ومما يدخل في هذا الباب ما حدثني محمد بن سعدويه قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الجنيد قال: حدثني محمد بن النضر بن مساور قال: حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: جمعنا الحسن لعرض المصاحف أنا وأبا العالية الرياحي ونصر بن عاصم الليثي وعاصمًا الجحدري؛ فقال رجل يا أبا العالية قول الله في كتابه: {فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} [سورة الماعون] ما هذا السهو؟ , قال الذي لا يدري عن كم ينصرف؛ عن شفع أو عن وتر , فقال الحسن: مه يا أبا العالية ليس هذا بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم. قال الحسن: ألا ترى قوله عز وجل: (عن صلاتهم) , وناه أبو رجاء الغنوي , نا محمد بن الجهم السجزي ,. نا الهيثم بن خالد المنقري
عن أبي عكرمة عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار نحوه. قلت: وإنما أتى أبو العالية في هذا حديث لم يفرق بين حرف عن وفي , فتنبه له الحسن فقال: ألا ترى قوله: {عن صلاتهم} [سورة الماعون] يؤيد أن السهو الذي هو الغلط في العدد إنما هو يعرض في الصلاة بعد ملابستها , فلو كان هو المراد لقيل: في صلاتهم ساهون , فلما قال عن صلاتهم دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت. ونظير هذا ما قاله القُتَبي في قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين} [سورة الزخرف] زعم أنه من قوله: عشوت إلى النار أعشو إذا نظرت إليها. فغلَّطوه في ذلك وقالوا: إنما معنى قوله: من يعرض عن ذكر الرحمن, ولم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه - وهذا الباب عظيم الخطر , وكثيرًا ما يعرض فيه الغلط , وقديمًا عني به العربي الصريح - فلم يحسن ترتيبه وتنزيله.
حدثني عبد العزيز بن محمد المسكني قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني سويد نا ابن المبارك عن عيسى بن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب أن أعرابيًا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملاً يدخلني الجنة فقال: اعتق النسمة وفك الرقبة قال: أوليسا واحدًا؟. قال: لا , عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها. فتأمل كيف رتب الكلامين