فأما الأولى: فهي القصاص العادل الذي إن قتل نفسا فقد ضمن الحياة لنفوس وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ حياة بكف يد الذين يهمون بالاعتداء على الأنفس والقصاص ينتظرهم فيردهم قبل الإقدام على الفعلة النكراء. وحياة بكف يد أصحاب
الدم أن تثور نفوسهم فيثأروا ولا يقفوا عند القاتل، بل يمضوا في الثأر، ويتبادلوا القتل فلا يقف هذا الفريق وذاك حتى تسيل دماء ودماء. وحياة بأمن كل فرد على شخصه واطمئنانه إلى عدالة القصاص، فينطلق آمنا يعمل وينتج فإذا الأمة كلها في حياة.
وأما الثانية: فهي دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة، وهي لون من القتل على النحو الذي بيّناه.
وأما الثالثة: فهي دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة، ويهدد أمنها ونظامها الذي اختاره الله لها، ويسلمها إلى الفرقة القاتلة، والتارك لدينه المفارق للجماعة إنما يقتل لأنه اختار الإسلام لم يجبر عليه، ودخل في جسم الجماعة المسلمة، واطلع على أسرارها، فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها. ولو بقي خارجها ما أكرهه أحد على الإسلام. بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب، وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة.
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ .. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً.
تلك الأسباب الثلاثة هي المبيحة للقتل، فمن قتل مظلوما بغير واحد من تلك الأسباب فقد جعل الله لوليه - وهو أقرب عاصب إليه - سلطانا على القاتل، إن شاء قتله وإن شاء عفا على الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية، فهو صاحب الأمر في التصرف في القتل، لأن دمه له.