ثمّ لمّا ذكر تعالى برّ الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة، وصلة الرحم، وإيتاء المساكين وأبناء السبيل فقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ أي ذا القرابة منك أيها المكلف حقّه، وحقّه المفروض هو النفقة إذا كانوا محارم فقراء والمواساة لكل ذي قربى إذا وجد الاحتياج وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ أي وآت هؤلاء حقوقهم وحقوقهم المفروضة إنما هي الزكاة والمواساة عند المتربة والمخمصة. ثم لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطا فقال: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي ولا تسرف إسرافا.
ثم قال: منفّرا عن التبذير والسرف إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أمثالهم وأشباههم في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي جحودا لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، فما ينبغي أن يتشبّه به ولا أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله،
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ
رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي عدهم وعدا حسنا بسهولة ولين. كقولك: إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، أو كقولك رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، وقد سمّى الرزق رحمة.
فدلّ ذلك على أنّ الرزق الحسن نعمة إذا قوبلت بالشكر. والمعنى الدقيق للآية وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فردّهم ردّا جميلا،
ثمّ أمر تعالى بالاقتصاد في العيش، ذامّا للبخل ناهيا عن السرف وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك فَتَقْعُدَ مَلُوماً إن بخلت مَحْسُوراً إن أسرفت.