وفي مقابل هذا السلطان الكبير ينهاه الإسلام عن الإسراف في القتل استغلالاً لهذا السلطان الذي منحه إياه. والإسراف في القتل يكون بتجاوز القاتل إلى سواه ممن لا ذنب لهم كما يقع في الثأر الجاهلي الذي يؤخذ فيه الآباء والأخوة والأبناء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل ، والولي مسلط على دمه بلا مثله.
فالله يكره المثلة والرسول قد نهى عنها.
{فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} يقضي له الله ، ويؤيده الشرع ، وينصره الحاكم. فليكن عادلاً في قصاصه ، وكل السلطات تناصره وتأخذ له بحقه.
وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وسلطان الحاكم لنصرته تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي. الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يميناً وشمالاً في حمى الغضب والانفعال على غير هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل ، وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ونفسه تسكن ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ.
والإنسان إنسان فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص. لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة ، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضاً. إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ويحبب فيه ، ويأجر عليه. ولكن بعد أن يعطي الحق. فلولي الدم أن يقتص أو يصفح. وشعور ولي الدم بأنه قادر على كليهما قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ويدفع به إلى الغلو والجماح!
وبعد أن ينتهي السياق من حرمة العرض وحرمة النفس ، يتحدث عن حرمة مال اليتيم ، وحرمة العهد.
{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} ..