ويقول: {وَالْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1 - 2] فبدأ بالليل.
ومرة يتحدث عن اللازم لهما ، فيقول: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]
لأن الحكمة من الليل تكمن في ظُلْمته ، والحكمة من النهار تكمُن في نوره ، فالظُّلْمة سكَنٌ واستقرار وراحة. وفي الليل تهدأ الأعصاب من الأشعة والضوء ، ويأخذ البدن راحته ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"أطفئوا المصابيح إذا رقدتم".
في حين نرى الكثيرين يظنون أن الأضواء المبهرة - التي نراها الآن - مظهر حضاري ، وهم غافلون عن الحكمة من الليل ، وهي ظلمته.
والنور للحركة والعمل والسَّعْي ، فمَن ارتاح في الليل يُصبح نشيطاً للعمل ، ولا يعمل الإنسان إلا إذا أخذ طاقة جديدة ، وارتاحت أعضاؤه ، ساعتها تستطيع أن تطلب منه أن يعمل.
لذلك قال الحق سبحانه: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ..} [القصص: 73]
لماذا؟ {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ..} [القصص: 73]
أي: في الليل. {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ..} [القصص: 73] أي: في النهار.
إذن: لليل مهمة ، وللنهار مهمة ، وإياك أنْ تخلط هذه بهذه ، وإذا ما وُجد عمل لا يُؤدِّي إلا بالليل كالحراسة مثلاً ، نجد الحق سبحانه يفتح لنا باباً لنخرج من هذه القاعدة العامة.
فيقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيلِ وَالنَّهَارِ..} [الروم: 23]
فجعل النهار أيضاً محلاً للنوم ، فأعطانا فُسْحة ورُخْصة ، ولكن في أضيق نطاق ، فَمَنْ لا يقومون بأعمالهم إلا في الليل ، وهي نسبة ضئيلة لا تخرق القاعدة العامة التي ارتضاها الحق سبحانه لتنظيم حركة حياتنا.
فإذا خرج الإنسان عن هذه القاعدة ، وتمرَّد على هذا النظام الإلهي ، فإن الحق سبحانه يَردعه بما يكبح جماحه ، ويحميه من إسرافه على نفسه ، وهذا من لُطْفه تعالى ورحمته بخَلْقه.