إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وإن التكاليف الإسلامية كلها شرعت لسوقه إليها؛ ولما كانت أصولها قد تضمنتها الآيات السابقة أمراً ونهياً بطريق الإطناب والتفصيل؛ أعيد الحديث عنها في هذه الآية بطريق الإيجاز والإجمال، قصداً للتأكيد وتقرير هذه الأصول العظيمة في النفوس، مع اشتمال هذه الآية الموجزة على ما لم يشتمل عليه ما تقدمها. وهذا من بديع التأكيد، لاشتماله على السابق مع شيء جديد.
(السىّء) : هو القبيح، والقبائح المنهي عنها فيما تقدم قبيحة لذاتها، ولنهي الله تعالى عنها.
و (المكروه) هو المبغوض المسخوط عليه، وهو ضد المحبوب المرضي عنه.
والمحاسن محبوبة لله أمر بها ويثيب عليها ويرضى على فاعلها، والمقابح مبغوضة له تعالى، نهى عنها، ويعاقب عليها، ويسخط على مرتكبها.
وليس المكروه بمعنى عدم المراد، لأنه لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد، وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله.
وليس بمعنى المنهي عنه نهياً غير جازم لأن ذلك اصطلاح فقهي حادث بعد نزول القرآن، والقرآن لا يفسر الحادثة بالاصطلاحات.
(ذلك) : إشارة إلى جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة (سيئه) فالمكروه هو سئ ما تقدم، وهو القبائح المنهي عنها.
أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة: (سيئة) .
و (مكروهاً) : خبر كان على القراءة الأولى، وخبر ثان على القراءة الثانية.
وتقدير الكلام على القراءة الأولى:
كل ذلك المذكور كان سيئه - وهو المنهيات - مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن حسنه - وهو المأمورات - محبوب عنده.
وعلى الثانية كل ذلك المنهي عنه كان سيئه مكروهاً عند ربك. ومفهومه: أن المأمور به حسن عنده.
المعنى:
عرف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها - على ما تقدم في التقرير - أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب، وأن ما نهاهم عنه هو القبيح المبغوض.
فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، وأنه - تعالى - لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن.
وفي علمهم بهذا ما يحملهم على الامتثال ويرغبهم فيه. فإن الحسن تميل إليه النفوس، والقبيح تنفر منه.