نعم، الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله، ولكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحاً، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه، ونقائص بشريته، فلا يدعه يعجب فلا يكون من المرحين، فما مرح إلاّ وهو محروم من نور العقل مفتون بمادة الجسم، فذكر بضعف هذا الجسم وصغارته.
العجب أصل الهلاك:
إذا أعجب المرء بنفسه عمي عن نقائصها، فلا يسعى في إزالتها، ولهى عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها؛ فعاش ولا أخلاق له، مصدراً لكل شر، بعيدا عن كل خير.
وعن العجب بالنفس ينشأ الكبر على الناس، والإحتقار لهم، ومن احتقر الناس لم ير لهم
حقاً، ولم يعتقد لهم حرمة، ولم يراقب فيهم إلاًّ (1) ولا ذمة، وكان عليهم - مثل ما كان على نفسه - أظلم الظالمين.
وإبليس اللعين - نعوذ بالله تعالى منه - كان أصل هلاكه، من عجبه بنفسه، وأنه خلق من النار، وأنه خير من آدم، فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين.
ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق:
تربية النفوس تكون بالتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل.
والعجب هو أساس الرذائل، فأول الترك تركه.
وهو المانع من اكتساب الفضائل فشرط وجودها تركه كذلك.
ومن لم يكن معجباً بنفسه، كان بمدرجة التخلق بمحاسن الأخلاق والتنزه عن نقائصها، لأن الإنسان مجبول على محبة الكمال وكراهة النقص، فإذا سلم من العجب فإن تلك الجبلة (2) تدعوه إلى ذلك التخلق والتنزه، فإذا نبه على نقصه لم تأخذه العزة، وإذا رغب في الكمال كانت له إليه هزة، فلا يزال بين التذكيرات الإلهية، والجبلة الإنسانية الخلقية، يتهذب، ويتشذب، حتى يبلغ ما قدر له من كمال.
ولهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة - وهي أصول في علم الأخلاق - عَنْوَنَّا عليها بآية الأخلاق.
تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز:
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} .