والذين عبَّروا عن هذه الإنجازات العلمية بكلمة (الاكتشافات) كانوا أمناء في التعبير عن الواقع الفعلي ، فهم لم يخلقوا جديداً في الكون ، فكلُّ هذه الأشياء موجودة ، والفضل لهم في الاهتداء إليها واكتشافها ، ومن هنا فكلمة (اختراع) ليست دقيقةً في التعبير عن هذه الاكتشافات.
فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبُّع ما ليس لنا به علم ، فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه من علوم ، فإنْ كانت في الدين تركناها للخالق سبحانه يُقنّنها لنا ، وإنْ كانت في أمور الدنيا أعملنا فيها عقولنا بما ينفعنا ويُثرِي حياتنا ؛ لذلك تكلّم الحق سبحانه بعد ذلك عن وسائل إدراك العلم ، فقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً { [الإسراء: 36]
وما دام الحق سبحانه قد نهانا عن تتبع مَا لا نعلم ، وأمرنا أن نسير على ضوء ما نعلم من العلم اليقيني فلا بُدّ أنْ يسأل المرءُ عن وسائل العلم هذه ، لأنه لولا وسائل الإدراك هذه ما عَلم الإنسانُ شيئاً ، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]
وهل يشكر الإنسان إلا على حصيلة أخذها؟ هذه الحصيلة هي العلم.
وهذه الحواس تُؤدِّي عملها في الإنسان بمجرد أنْ تنشأ فيه ، وبعد أنْ يخرجَ إلى الحياة ، والبعض يظنّ أن الطفل الصغير لا يفهم إلا عندما يكبر ويستطيع الكلام والتفاهم مع الآخرين ، والحقيقة أن الطفل يدرك ويعي من الأيام الأولى لولادته.
ولذلك ، فإن علماء وظائف الأعضاء يقولون: إن الطفل يُولَد ولديْه ملكَاتٌ إدراكية سمّاها العلماء احتياطاً"الحواس الخمس الظاهرة"، وقد كان احتياطهم في محله لأنهم اكتشفوا بعد ذلك حواس أخرى ، مثل حاسة العضل مثلاً التي نُميِّز بها بين الخفيف والثقيل.