والمتأمل في شرع الخالق سبحانه يجد أمور التكليف بافعل ولا تفعل قليلة إذا ما قيست بالأمور التي ترك لك الحرية فيها ، إذن: فدع لربك وخالقك والأعلم بك مجالاً يحكم من خلاله حياتك وينظمها لك ، ألا يجد بنا ونحن عباده وصنعته أن نُحكّمه في أمور ديننا ، ونُخرِج أنوفنا مما اختص به سبحانه؟
ـ أما النوع الآخر من العلم ، فهو العلم المادي التجريبي الذي لا يخضع للأهواء ، فقد جعله الخالق سبحانه مجالاً للبحث والتسابق ، ومضماراً يجري فيه الجميع ؛ لأنهم في النهاية سيلتقون فيه قَهْراً ورَغْماً عنهم. وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى مثالاً لهذا النوع من العلم ، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ..} [فاطر: 27 - 28]
فذكر الحق سبحانه أجناس الوجود كلها: الإنسان ، والحيوان ، والنبات ، والجماد. ثم ختم ذلك بقوله:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ..} [فاطر: 28]
فهذه ظواهر الكون ، ارْبَع فيها كما شئت بحثاً ودراسة ، وإنْ أحسنتَ الإمعان فيها فسوف تُوصِّلك إلى ظواهر أخرى تُثري حياتك وتُرقّيها ، فالذي اكتشف عصر البخار ، والذي اكتشف العجلة والكهرباء والجاذبية وغيرها لم يخلق جديداً في كَوْن الله ، إنما أحسن النظر والتأمّل فتوصّل إلى ما يُريح المجتمع ويُسعده.
لذلك ، فالحق سبحانه وتعالى يُحذّرنا أن نمرَّ على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعُّن فيها: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]