وإنْ كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر ، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب ، السمع أولاً ، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر ، فالإنسان بمجرد أنْ يُولَد تعمل عنده حاسّة السمع ، أما البصر فإنه يتخلّف عن السمع لعدة أيام من الولادة ، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته ، هذه واحدة.
الأخرى: أن السمع هو الحاسَّة الوحيدة التي تُؤدّي مهمتها حتى حال النوم ، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه ، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم.
وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف ، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطّل حاسة السمع لديهم ، وإلاّ لَمَا تمكَّنوا من النوم الطويل ، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} [الكهف: 11]
ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا..} [السجدة: 12]
والحديث هنا ليس عن الدنيا ، بل عن الآخرة ، حيث يفزع الناس من هَوْلها فيقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً..} [السجدة: 12] لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا.
فالسمع أوّل الحواس ، وهو أهمها في إدراك المعلومات ، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع قبل أن يقرأ ، فتعلّم أولاً بالسماع ألف باء ، فالسمع أولاً في التعلُّم ، ثم يأتي دَوْر البصر.
والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر ، مثل قوله سبحانه: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ..} [السجدة: 9]
إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً { [الإسراء: 36]
لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟