وقبل أن نُوضِّح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى ، وما دام المتكلم هو الله فلا بُدَّ أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها ، بليغة في سياقها.
فالسمع جاء بصيغة الإفراد ؛ لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع ، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعاً ، فهو واحد في جميع الآذان.
أما البصر فهو خلاف ذلك ؛ لأن أمامنا الآن مرائيَ متعددة ومناظر مختلفة ، فأنت ترى شيئاً ، وأنا أرى شيئاً آخر ، فَوحْدة السمع لا تنطبق على البصر ؛ لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع.
أما في قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ.. { [الإسراء: 36] فقد ورد البصر هنا مفرداً ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية ، مسئولية كل إنسان عن سَمْعه وبصره ، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يُسأل أحد عن أحد ، بل يُسأل عن نفسه فحَسْب ، فناسب ذلك أنْ يقول: السمع والبصر ؛ لأنه سيُسأل عن بصر واحد وهو بصره.
فالإنسان - إذن - مسئول عن سَمْعه وبصره وفؤاده من حيث التلقِّي ، تلقّي القضايا العلمية التي سنسير عليها في حركة حياتنا ، وكذلك من حيث الإعطاء ، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للأذن: لا تسمعي إلا خيراً ، ولا تتلقيْ إلا طيّباً ، ويا مُربِّي النشء لا تُسْمِعه إلا ما يدعو إلى فضيلة ، ولا تعط لأذنه إلا ما يصلح حياته ويُثريها.
ويقول للعين: لا ترَيْ إلا الحلال لا يهيج غرائزك إلى الشهوات ، ويا مُربِّي النشء احجب عنه ما يثير الغرائز ويفسد الحياة ؛ وبذلك نربي في المجتمع المعلومات الصحيحة التي تنبني عليها حركة حياته.