وماذا يكون للرسول من جزاء فِي هذه الدنيا ، على مالقى فِي سبيل الدعوة من عنت وإرهاق ، وما أصابه من ضرّ وأذى فِي نفسه ، وأهله ، وصحبه؟ إن كلّ ما فِي الأرض لا يقوم ببعض هذا الجزاء .. وإن الرسول الزاهد فِي كل ما فِي هذه الأرض ، وما عليها من مال ومتاع .. فلم يكن إلا ما فِي السماء ، هو الذي يناسب حال الرسول ، ويليق به! وقد ذكر القرآن الكريم حادثة الإسراء فِي ، أول سورة الإسراء ..
والذي ذكره من أمر الإسراء ، أنه وقع ليلا ، وأن حدوده كانت من المسجد الحرام بمكة ، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، وقد وصف بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام ، فهو فِي مكان قصيّ بالإضافة إلى المسجد الحرام.
يقول ابن إسحق فِي سيرته: « وكان مسراه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما ذكر منه ، بلاء وتمحيصا ، وأمرا من أمر اللّه ، فِي قدرته وسلطانه .. فيه عبرة لأولى الألباب ، وهدى ورحمة ، وثبات لمن آمن به وصدّق ، وكان من أمر اللّه على يقين .. فأسرى به كيف شاء ، ليريه من آياته ما أراد ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد » « 1 » .
وقد طلع النبيّ على قريش بهذا الخبر ، وأنه أسرى به فِي ليلته تلك من مكة إلى بيت المقدس ، فبهتوه ، وكذّبوه ، وأطلقوا ألسنتهم بالقول السيّء فيه .. وقال قائلهم: « هذا واللّه الإمر « 2 » ، واللّه إن العير لتطّرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة ، وشهرا مقبلة .. أ فيذهب محمد فِي ليلة واحدة ويعود إلى مكة » ؟
ولم يقف الأمر عند كفّار قريش ، بل تجاوزهم إلى ضعاف الإيمان ، ممن أسلموا ، فارتدّوا عن الإسلام ، وارتابوا ..
وتحدّث الروايات أن الكفار ذهبوا إلى أبى بكر - رضى اللّه عنه - لعلهم يجدون عنده ما وجدوا عند ضعاف الإيمان ، فقالوا له: « هل لك يا أبا بكر فِي صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس ، وصلّى فيه ، ورجع إلى مكة؟ فقال لهم أبو بكر: أنتم تكذبون عليه؟ فقالوا: ها هو ذا فِي المسجد يحدّث به الناس! فقال أبو بكر: « لئن كان قاله لقد صدق! فما يعجبكم من ذلك؟
فو اللّه إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فِي ساعة من ليل أو نهار ، فأصدقه .. فهذا أبعد مما تعجبون منه « 3 » » .
ونحن نشكّ فِي هذه الرواية .. فما كان أبو بكر بالذي يخفى عليه شيء من أمر النبيّ ، حتى يعلمه كفار قريش قبل أن يعلمه ، وما كان الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه يحدث بهذا الخبر العجيب قبل أن يلقى به أبا بكر ، وهو الذي كان أشبه بظلّ رسول اللّه ، لا يفارقه أبدا!
(1) السيرة لابن هشام: جزء 2 ص 2.
(2) الإمر بالكسر - الأمر العظيم فِي شناعته: « لقد جئت شيئا إمرا »
(3) زاد المعاد جزء 2 والسيرة لابن هشام جزء 2 ص 4.